الشيخ محمد آصف المحسني
179
صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية
وأعاظم الملّة قدس اللّه اسرارهم « 1 » . ولسيدنا الأستاذ العظيم الفقيه الأصولي العلّامة الخوئي - دام ظله - كلمة حول معنى البداء وتحليله في مدخل تفسيره « البيان » ينبغي نقل بعضها تتميما للفائدة ، قال - دام ظله الوارف - « 2 » : ثم إنّ البداء الذي تقول به الشيعة الإمامية إنّما يقع في القضاء غير المحتوم ، أمّا المحتوم منه فلا يتخلّف ، ولا بدّ من أن تتعلق المشيئة بما تعلّق به القضاء . وتوضيح ذلك : أنّ القضاء على ثلاثة أقسام : الأول : قضاء اللّه الذي لم يطلع عليه أحدا من خلقه ، والعلم المخزون لذي استأثر به لنفسه ، ولا ريب أن البداء لا يقع في هذا القسم ، بل ورد في أخبار كثيرة عن أهل البيت عليهم السّلام أن البداء إنّما ينشأ من هذا العلم . الثاني : قضاء اللّه الذي أخبر نبيّه وملائكته بأنه سيقع حتما ، ولا ريب في أنّ هذا القسم أيضا لا يقع فيه البداء ، وان افترق عن القسم الأول بأن البداء لا ينشأ منه . الثالث : قضاء اللّه الذي أخبر نبيّه وملائكته بوقوعه في الخارج إلّا أنّه موقوف على أن لا تتعلّق مشيئة اللّه بخلافه ، وهذا القسم هو الذي يقع فيه البداء يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب « 3 » . وقد دلّت على ذلك روايات كثيرة . . . إلى أن قال : والبداء إنّما يكون في القضاء الموقوف المعبّر عنه بلوح المحو والإثبات ، فلا يستلزم نسبة الجهل إلى اللّه تعالى . فالقول بالبداء هو الاعتراف الصريح بأن العلم تحت سلطان اللّه وقدرته في حدوثه وبقائه ، وأنّ إرادة اللّه نافذة في الأشياء أزلا وأبدا ، بل وفي القول بالبداء يتّضح الفارق بين العلم الإلهي وبين علم المخلوقين ، فعلم المخلوقين - وإن كانوا أنبياء أو أوصياء - لا يحيط بما أحاط به علمه تعالى ، فإنّ بعضا منهم - وإن كان عالما بتعليم اللّه إيّاه - بجميع عوالم الممكنات - لا يحيط بما أحاط به علم اللّه المخزون الذي استأثر به لنفسه ، فلا يعلم إلّا ما أخبره اللّه على نحو الحتم . والقول بالبداء يوجب انقطاع العبد إلى اللّه وطلبه إجابة دعائه منه وكفاية مهمّاته وتوفيقه للطاعة وإبعاده عن المعصية ، فإنّ إنكار البداء والالتزام بأن ما جرى به قلم التقدير كائن لا محالة - كما يراه اليهود ومن يحذو حذوهم - يلزمه يأس المعتقد بهذه العقيدة عن إجابة دعائه ، فإنّ ما
--> ( 1 ) لاحظ الجزء الرابع من البحار وتعاليقه . ( 2 ) البيان / 271 . ( 3 ) الرعد 13 / 39 .